أحد آباء المجمع المسكوني الرابع

576452_528683653824200_1940628341_n

المطران بولس يازجي- أحد آباء المجمع المسكوني الرابع

الكـلمـة الصـادقـة

“يا ولدي تيطس، صادقة هي الكلمة”

  بهذه الكلمات الرائعة يتوجّه بولس الرسول بدالّة كبيرة وعطف ومحبّة نحو تلميذه تيطس، فيحدّثنا عن الكلمة وعن صدقها. فأيّة كلمة هي هذه؟ وكيف تكون صادقة؟

الكلمات هي لغة وأداة يستخدمها الناس للاتصال بالناس الآخرين والتعبير لهم عن مشاعرهم وما لديهم من أفكار. لكن من هذا الإطار بين بني البشر، مرّات عديدة لا تكون الكلمة صادقة. يحدّثنا بولس الرسول عن كلمة أخرى هي دائمة صادقة إنّها “كلمة الله”!

وكلمة الله، هذه الصادقة، لا تصلنا مباشرة. لسنا نحن “أهل الكتاب”، أي أنّنا لم نستلم الكتاب مُنـزلاً به، بل موحى به. لم يأتِ ملاكٌ ويقول لـ متّى أو لوقا… “اكتبْ”! بل أُوحي لهم ولكلّ القدّيسين والرسل والمفسِّرين معهم. فجاءتنا كلمةُ الله الصادقة عبر الكلمة البشريّة. وهذا العبور من خلال العنصر البشريّ جعل الكلمةَ الإلهيّة مرّات ليست قليلة في خطر من التزييف. لهذا لدينا أنبياء ولدينا أنبياء كذبة، لدينا رعاة ولدينا، كما يقول يسوع، ذئابٌ خاطفة تأتي بثياب الحملان، هي ذئاب لكنّها تدّعي أنّها تنقل كلمة الله الصادقة، أي ترتدي ثياب الحملان. لدينا، أخيراً المسيح ولدينا أيضاً المسيح الدجّال. وسرُّ الضلال يعمل كما يقول يوحنّا الرسول.

يستلم إذن بعضُ البشر والموهوبين، ومَن نسمّيهم قدّيسين أو رسلاً، وأحياناً يدعي ذلك بعض الكاذبين، يستلمون كلمـــةَ الله بالوحي ويصفونها بكلماتهم البشريّة، فترتدي حقيقتها رداءً خارجيّاً من لغة وحضارة وثقافة ناقلها. الإنجيل هو هو، لكن لونه عند يوحنا غير لونه عند متّى، وهكذا…

في زمن حضور المسيح، هو هو كلمة الله الحيّة، دون وسيط أو ناقل وإنّما كما يقول بولس الرسول: “أنّ الله بعد أن كلّمنا بطرائق عديدة بالأنبياء… كلّمنا أخيراً بابنه الوحيد”، كانت كلمة الله تشرح من جهتَين، الأولى كانت اليهود المؤمنين والثانية كانت الوثنيّين.

اعتقد الفلاسفة أنّ الكلام عن الله هو معرفته. وشتّان هو الفرق بين معرفة الله من الكلام معه وبين معرفته بالكلام والتنظير عنه! وصارت الفلسفة هي طريق فكريّة لاكتشاف الحقيقة وصياغتها. وترانا نجد الفلاسفة يكثرون الكلام عن الله بينما مرّات عديدة يبيحون لأنفسهم مسلكيّات لا يريدها الله. لقد كان “اللاهوت” لهم مهنة فكريّة كما هو الفيزياء والكيمياء.

بينما لليهود من الوجهة المقابلة، كانت كلمة الله لهم هي أرادته، والتي كانت الشريعة تعبّر عنها. “الوصايا” الإلهيّة هي الكلمة التي يريد الله أن ينطق بها، بمقدار ما يحفظها المؤمن بمقدار ما يكون الله أميناً معه فيحفظه!

ماذا يريد الله منّا؟ الجواب لدى اليهود في العهد القديم هو تحديد وصايا الله، لذلك ابتدع التقليد لديهم عدداً من الوصايا لا يُحَّد، يمسُّ أدقّ تفاصيل الحياة اليوميّة، بهذه الشرائع كانوا يظنّون أنّهم يفهمون ويفسِّرون كلمة الله ليحفظوها. والغرابة أنّه عندما جاءت كلمة الله ذاتها، بيسوع المسيح، قاومت شرائعُ البشر كلمتَه. لقد قال لهم يسوع “أبطلتم وصيّة الله بوصاياكم”! وهكذا نسمع كلاماً بشريّاً عوض الكلام الإلهيّ!

عندما جاء يسوع كانت الجموع تُبهتُ من تعليمه، لأنّه كان يكلّمهم كمَن له “سلطان” وليس كالكتبة والفريسيّين! كان لكلام يسوع وقع آخر، سلطان، فما هو هذا السلطان؟ إنّه صفاء الكلمة الإلهيّة من كلمات البشر؛ وبالتالي “صدق الكلمة”. كلام الربّ يسوع هو “حياة” وليس فلسفة أو شريعة. لقد كان كلامه يمسُّ القلوب فوراً، لأنّه صادق وكلام إلهيّ. إنّ الخراف تعرف صوت الراعي فتسمعه وتتبعه، أمّا صوت الأجير فلا تتبعه! أثقلت الفلسفاتُ الناسَ بالنظريّات عن الله، وطالبت الشرائع الناس بالكثير من أجل الله، وجاء يسوع يحقّق قول المزامير “يا بُنيَّ أعطِني قلبك”، هذا هو صوت الله وهذه هي كلمته الوحيدة، بناء علاقة طيبة من الحبّ المتبادل بين الله والإنسان، فجذب الحبّ الإلهيّ قلوب الكثيرين من البشر.

ما هي الكلمة الإلهيّة؟ الكلمة الإلهيّة ليست معلومة ولا هي وصيّة أو طلب! الكلمة الإلهيّة “نداء” مَن يسمعها ولا يشعر بهذا النداء لا يكون قد فهمها. “لهم آذان ولا تسمع وعيون ولا تبصر”! الكلمة الإلهيّة هي الأداة أو التعبير أو الموسيقى أو الشعر أو العمل أو التعب أو أي شيء حتّى في حياة الإنسان، حين يقرؤها أو يستخدمها الإنسانُ يتحدّث فوراً مع الله، الكلمة الإلهيّة هي لغة الحوار مع الله، وليست هي كلمات عنه فلسفيّة ولا كلمات منه هي الوصايا!

ما هو الكتاب اللاهوتيّ! إنّه الكتاب الذي إذا ما طالعناه قادنا إلى مواجهة الله وملاقاته. “المطالعة الدينيّة” هي حقيقيّة حين تتطوّر إلى صلاة. عدا ذلك كله فلسفات وشرائع، لا يعرفها الله ولا يعترف بها ولو سمّاها المسيحيّون أو سواهم “أدياناً”. الروح هو الذي ينطق بالكلمة. الحياة الروحيّة هي اللّغة التي يسمع بها الإنسان كلام الروح.

فلنفحصْ “ديننا”، أو بالأحرى تديُّننا! هل نحن نتكلّم عن الله أم نستلم كلاماً منه أم نكلّمه؟ ما هو وضع تعليمنا الدينيّ في الوعظ ومدارس الأحد والكشاف والأخويّات والعائلة، وحتّى في كليّات اللاهوت؟ هل نعلم قصّة إبراهيم والسامريّ الصالح عن ظهر قلب ونفسّرها ونتقن رسمها وتمثيلها… دون أن نفهم أنّ إيمان إبراهيم يعني ترك كلّ شيء وتبديل الحياة لخدمة الربّ والسير بالاتّكال عليه حيث هو يريد! أم نفسّر السامريّ الصالح دون أن نشعر بمقدار حبّ الربّ يسوع لكلّ الناس وانفتاح المسيحيّة على البشريّة فوق الأعراق والانتماءات الدينيّة وسواها؟ هل نقرأ مثل السامريّ الصالح ونتخشّع أو نتأمّل بيسوع؟ مَن يقرأ الكلمات الإلهيّة هو مَن يتخاطب بواسطتها وبواسطة حروفها مع مرسِلها (الله)، وهذا هو اللاهوت! وهذا هو فعل الكلمة الإلهيّة، إنشاء الحوار بين مرسِلها-الله وبين المرسَلة إليه-الإنسان!

لذلك مَن يقرأ الكلمة الإلهيّة ويبقى كما هو وحيث هو، لم يفهمْها! الكلمة الإلهيّة نداء يرسلنا من حيث نحن إلى حيث يشاؤنا الله، وكل لحظة. لا ستاتيكيّة مع الكلمة الإلهيّة، بل ديناميكيّة، لأنّ الله ليس إلهَ أموات بل إله أحياء. مدلول فهم الكلمة الإلهيّة ليس مجرّد مطالعتها (معرفتها!) ولا حتّى أيضاً تفسيرها أبداً. مدلول فهم الكلمة “وسماعها” هو ما يقوله في ملحق الآية: “صادقة هي الكلمة”: “لهذا أريدك يا تيطس أن تعلّم بأن يهتمّ الذين آمنوا بالله وبكلمته أن يعملوا الأعمال الحسنة”، “أمّا المباحثات الهذيانيّة والأنساب والخصومات والمماحكات الناموسيّة فاجتنبْها”، لأنّ هذه هي الفلسفة أو الشريعة البشريّة وليست الكلمة الإلهيّة.

رتّبت كنيستنا المقدّسة أن نطالع هذه الكلمات في هذا الأحد، أحد آباء المجمع الرابع والسابع، لِما في هذه الكلمات من إشارة واضحة لطريقة هؤلاء الآباء القدّيسين في فهم وتعليم الكلمة الإلهيّة مقابل الهراطقة الذين حرّفوا الإيمان بفلسفات المنطق البشريّ فجعلوا كلامهم على حساب كلمة الله أو شرّعوا في الديِّن ما ليس هو من الله فأقاموا شرائعهم وقتلوا شريعة الله! الكلمة الإلهيّة نداء للقلب البشريّ، مدلولُ فهمِها هو القيام بالأعمال الصالحة وليس المجادلات أو تخزين المعلومات الدينيّة. الكلمة الإلهيّة خطاب إلهيّ وفهمها هو الحوار البشريّ معها. الكلمة الإلهيّة رباط ننظره، نقرؤه، نكتبه… فيصلنا بالناطق بها، بالروح القدس، روح الحقّ والطهارة. الكلمة الإلهيّة تجعلنا في توبة دائمة أي ديناميكيّة خطاب الحبّ الإلهيّ مع القلب البشري، “تكلّمْ يا ربّ، عبدك يصغي”، آمين!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s