نظرة إلى الزمن في بداية زمن هذا العام

“وأما يسوع فكان يتقدّم في الحكمة والسنّ والنعمة عند الله والناس”

رأس السنة الميلادية

 اليوم، بدء السنة، ونبدأها بالصلاة رافعين الأيادي ذبيحة تسبيح وشكر، وذبيحة طلبٍ أن تكون زمن خلاص في الخدمة وبرفقة النعمة.  يتكلّم النصّ الإنجيليّ بوضوح عن دخول يسوع في صلب الزمن وهو الكلمة الإلهيّة الذي فوق الزمن. فغير المحصور يتجسد والأزلي يبتدئ. فيُختن في اليوم الثامن بحسب عادات البشر ويسمى “يسوع”، لكن هذا الطفل وهو ابن اثنتي عشرة سنة يجلس في وسط المعلّمين المسنين الذين كانوا جميعهم يسمعونه مندهشين من فهمه وأجوبته.

وإن كان الله فوق “زمننا” إلاّ أنّه يدخل ويتدخّل فيه لخلاصنا ورعايتنا. والكتاب المقدس يبتدئ كما يُختم بإشارات زمنية (تك 1، 1 و رؤ 22، 20)، منذ أن خلق إلى أن يأتي سريعاً، يتحرك الله “على عجل” – لو صّح التعبير – من أجل الإنسان. “فالآب يعمل والابن يعمل حتّى الآن”، أجاب الربّ يسوع على اليهود عندما أساؤوا فهم عطلة يوم السبت.

الإنسان كائن يعيش في مكان وخلال زمان محدّدَين. وهذان هما العنصران اللذان يعرفّانه معاً. وكلّ منهما منفرداً لا يعطي عنه الصورة الصحيحة. فللكلام عن الإنسان، أو عن أي شيء يخص حياته ويهمها، علينا توضيح “أين” و”متى” جرى ذلك. فهناك الـ”حيث” وهناك الـ”كيف” لتحديد أي موضوع في الحياة. إذن هناك المكان وأيضاً الزمان.

للمكان ثلاثة أبعاد، وهي الطول والعرض والعمق. وفي هذه الأبعاد الثلاثة تتحدد الأمور. ولكن بما أن الإنسان كائن حي، أي متحرك، فإن العنصر الآخر في تعريفه هو التبدّل أو التطور وهذا ما نسميه بلغة العلم “السرعة”، أي الزمن. ويذهب أغلب البحّاثة لاعتبار الإنسان يحيا في أبعاد أربعة هي أبعاد المكان الثلاثة وبُعد الزمن أيضاً كبُعد رابع لتحديد أمور الحياة. فأي أمر في مكان لا يعرف به دون تحديد ماضيه-مصدره ومستقبله-غايته. وأي شيء ليس هو هو اليوم كما غداً. وما هو مناسب الآن قد لا يكون مناسباً في أيّة لحظة أخرى. فأمور الحياة ليست لوحة جامدة جاءت هكذا لتبقى كما هي. وإنّما جعل الله الخليقة متحركة، فلا يمكن معرفة الخردل من الحبة الصغيرة دون النظر إلى شجرته الكبيرة! فبالنسبة للمكان، فإن الحواس هي التي تصلنا به، وهي التي تدركه وتتعاطى معه. ولتقديس المكان واحترامه وإعطائه قيمته، التي في نظر العين الإلهيّة، رتبت لنا الكنيسة الأصوام، وهي الفضيلة التي تجعلنا نتعاطى مع المكان بعفة الروح فنعطيه حقه ونستخدمه في غايته. العفة في النظر والعفة في الطعام والعفة في السماع… كلّها تقدس المكان. هكذا يتعامل المسيحيّ مع البيئة.

أما الزمان، فإن الحواس الخمس لا تدركه فلا العين ترى البارحة ولا اليد تقبض على الغد. وإنّما العقل البشريّ هو الذي يلتقط حركته في تتابعه وسرعته. وفضيلة الذهن التي رتبتها الكنيسة لنتعاطى مع الزمن بعفة هي الصلاة. فالصلاة هي حركة الذهن العفيفة، أو بكلمة أخرى إن كلّ حركة عفيفة للذهن هي صلاة. لهذا ليس عبثاً رتبت الكنيسة صلواتٍ لكلّ لحظة من لحظات الحياة. فهناك صلوات عند النهوض من النوم وقبل الطعام وبعده وقبل الدرس وبعده وقبل النوم وهناك صلوات السحر وصلوات الساعات (ساعات النهار) وصلاة الغروب… ليس كافياً أن نصلي هكذا ودائماً بل أن نصلي بما يخص سحرنا وغروبنا وكلّ حركة ولحظة في زمن حياتنا. هكذا يتقدس الزمن.

علينا أن نمدّ الصلاة كشبكة تستريح عليها كلّ أعمالنا. نصلي صباحاً لنثبّت بدايات النهار في مجرى الرضى الإلهيّ ونصلي مساءً لنشكر ونطلب الليل هادئاً. الصلاة تطبع ساعات وزمن الحياة بالقداسة فتقدس أعمال أيدينا. “سهل خطواتنا للعمل بوصاياك” هكذا نصلي في بدايات النهار.

الزمان هو نوعان. الأوّل هو الزمن الكوني والثاني هو الزمن الشخصي. هناك نوعان من التاريخ. هناك إذن التاريخ العام والمعني به توالي الأيّام والسنين في نظام حركتها الكونية. ويبدو أن الإنسان هو الذي ينتمي إلى هذا التاريخ. وهناك التاريخ الشخصي وهو المحسوب ليس بالمقاييس الكونية الطبيعيّة وإنّما بعدد الخبرات المباشرة، أي بثمار زمن الحياة ومفاصلها الهامة. وهذا الزمن هو الذي ينتمي إلى الإنسان. نجد مثلاً في إنجيل يوحنا عدة إشارات محددة زمنية. وهذه الإشارات ليس لها طبيعة علمية معرفية وكونية، وإنّما تحمل تاريخ المعرفة والخبرة الشخصيّة. لذلك يقول أنّها كانت “الساعة العاشرة” عندما التقى بيسوع لأول مرّة. فهذا الرقم “عشرة” يحدد ساعة من تاريخ حياته الشخصي، فيحدد لنا ليس زمناً ما وتوقيتاً ما وإنّما لحظة مفصلاً في حياة يوحنا الإنجيليّ. هذه ساعة من تاريخه الشخصي، وكانت هامة جداً.

لذلك، من هذا المفهوم للزمن، نفهم ما يقوله الأدب الرهبانيّ، إنّ كلّ يوم لا نصلّي فيه هو يوم ضائع من حياتنا. إنّه يوم من الزمن الكونـيّ نعم ولا بدّ، ننتمي نحن إليه ولا ينتمي هو إلينا، لكنّه ليس زمناً من تاريخنا الشخصيّ فهو زمن ضائع.

ولأننا نصلي قليلاً فإننا نربح من الزمن قليلاً من المقتطفات التاريخية والخبرات الشخصيّة. ليس غريباً أن نجد رجالاً في سنّ الشيخوخة الكوني – الطبيعيّ وأن نجدهم بالوقت ذاته بعقلية أطفال من تاريخهم الشخصي – الروحي. والعكس صحيح، وهذا ما سمعناه عن يسوع في الإنجيل، أن تاريخه الشخصي – خبراته، وهو ابن اثنتي عشرة سنة، فاق تاريخ المعلّمين والحكماء، لا بل إن حكمته الروحيّة – خبراته أدهشت الجميع، ولما شاهده والداه “بُهِتا”.

فعلاً إنّ الزمن الكونيّ حين ترافقه الحكمة الإلهيّة يصير تاريخاً شخصيّاً ثميناً. عندما يرتبط الزمن مع النعمة يأخذ قيمته الحقيقة. لقد وقف الطفل يسوع بين المسنّين فبدا هو بتاريخ طويل وهم بعمر الأطفال الصغار. وهذا ما يعنيه الإنجيليّ لوقا الذي يشير إلى أن يسوع “كان ينمو (فعلاً) في النعمة أمام الله والناس”. اليوم في بدء السنة الجديدة، نسلّط ضوء الإنجيل على ساعات الزمن لكي نقطف منها ساعات لنا ونسجّل تاريخَ خبراتنا. فلنعتصمْ بالصلاة التي، كلّما امتدّت على الزمن، كلّما جعلته تاريخنا أي حياتنا.

هناك فارق كبير بين التاريخ الكونـيّ والتاريخ الشخصيّ. وكلّما ازداد الفرق كلّما كبرت الخسارة. الصلاة تبتلع الزمن الطبيعيّ لتجعله تاريخاً خاصّاً وخبرات غنيّة.

لنقدسنَّ الزمن، أي لنصنعنَّ منه تاريخاً مقدّساً بيننا وبين الله، أو بكلمة أوضح، لنصلينَّ دائماً لكي ننمو على الدوام في النعمة أمام الله والناس.كلّ عام وأنتم بخير.

 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s