الممتِع أم المُتعِب !

أحد القديسة مريم المصرية

“ها نحن صاعدون إلى أورشليم…”

 يتّضح لنا من النصّ الإنجيليّ أنّ الربّ يسوع يكشف عن المفارقة الكبيرة بين فكره وفكر العالم، بين درب تلاميذه ودروب أهل العالم. أسياد العالم يتسلّطون على البشر بينما يجب على المتقدّمين من تلاميذه أن يخدموا، المفارقة لا تحمل حلاً مغايراً فقط، بل معاكساً تماماً. فالنصّ على لسان الربّ يقلُب “أن يُخدَمَ” إلى “أن يَخدِمَ”، و”السيّدَ” إلى “عبدٍ”، والأولَ “المتقدِّم” إلى الخادم “الأخير”.

لمَّا كان فكر المسيح بالنسبة لنا هو الحقيقة فإنَّ ما هو عكسه، فكر العالم، هو الخطيئة. فالخطيئة هي أكثر من حدثٍ خاطئٍ. هناك الزلات وهي أخطاءٌ لا ننجو من بعضها. أمَّا الخطيئة فأشمل، إنّها الخطأ في التوجّه بالذات، إنّها الخطأ القائم في العلاقة بيننا وبين الله (وليس أيّ خطأ ما تجاه هذه العلاقة)؛ فالخطيئة هي الفهم الخاطئ عن الله، وموقف خاطئ لأنفسنا تجاهه وتجاه القريب. خطيئة مثلاً تجاه الله، أن نعتبره عكس ما يعتبر هو ذاته، وأن نفرض عليه علاقةً لا ترضيه. خطيئة مثلاً أن نحبس الله في قفص الاتهام ونسميه قاضياً أو لا مبالياً بنا أو سبباً للشرور، وهو بالواقع عكس ذلك. إنّه المحِبّ للبشر والراعي والآب الأب.

كذلك خطيئةٌ تجاه ذواتنا، أن نعرِّفها بعكس حقيقتها، وأن ندفعها إلى دروبٍ لا توصلها إلى غايتها، أي إلى السعادة. خطيئتنا تجاه ذواتنا أن نسعى بها إلى لذّةٍ لا تترك إلاَّ الألم. يدعونا القدّيس مكسيموس المعترف لنميّز بين اللذة والألم الحقيقيّين، وأن نعرف فعلاً ما هو الممتع وما هو المتعِب. خطيئتنا نحو أنفسنا أنّنا نغشّها، فنركض بها وراء الممتعات السهلة، ظانّين أنّها لذّةٌ حقيقيّةٌ، فلا نجد إلا اللوعة، نناول أنفسَنا ممتعاً، غاشاً ورخيصاً، فيبقى لها مُتعباً. هذا هو “فكرُ العالم”، يركض وراء المتعة الرخيصة والسهلة. يوصينا القدّيس إسحق السرياني بأن نحبّ التعب، على عكس فكر العالم الذي ينصحنا بحبّ الراحة والرفاه… هذه هي الخطيئة في جوهرها.

هذه هي التجربة البشريّة الدائمة، التي غلبها الربّ حين خاطب الآب قائلاً “لتكن مشيئتك لا مشيئتي”، وقَبِل الكأس التي كانت له. كان المسيح يدرك تماماً أنَّ أورشليم العلويّة التي يقصدها تمرّ حتماً من جلجلة أورشليم الأرضيّة. عن هذه المسيرة إلى أورشليم حاول بطرس مرّةً أن يمنعه، فقال له يسوع: “أبعدْ عني يا شيطان”. المجد ليس ما يأتي من المتعة وإنّما فيما يأتي من أتعاب الفضائل. تأتي المتعة الحقيقيّة من صليب التضحية. “عبد الربّ” هو سيّد الأسياد وملك الملوك، آلامه هي مجده. أَلم يحاول الشيطان من البداية أن يعرض على يسوع الدنيا كلَّها شريطة ألاَّ يدخل إلى مجد آلامه قائلاً: “اسجدْ لي وأعطيك هذه الممالك كلها”؟ هذه هي صنارة الشيطان التي تصطادنا دائماً، وإلى تلك الدرب المقدّسة يدعونا الربّ يسوع؛ درب الآلام والبذل بدل السهل من المصلحة واللذّات… التلاميذ أنفسهم، عند التجلّي، رغبوا بأمجاد السماء فأخبرهم الربّ أن ثمر الصعود إلى جبل التجلّي الاتجاه نحو جبل الجلجلة. وهنا، بالنصّ الذي سمعناه، سقط يعقوب ويوحنا في هذه التجربة بالذات، أرادا المجدَ دون ثمن.

درب القيامة تمرّ بالصليب، واللذّة الحقيقيّة هي الآتية دائماً من أتعاب الفضائل. عودُ راية الظفر يوم القيامة هو خشبةُ الصليب عينها. خطيئة الإنسان وتجربته الدائمة هي أن يتناول اللذّات الدنيويّة المرميّة أمامه بسهولةٍ بدل أن يتعب من أجل النعم والخيرات المنشودة.

لكن لا قوام حقيقي للخطيئة. الخطيئة واهية، فالإنسان الصادق حين يتناولها يكشف على الفور زَيفها. الإنسان كائنٌ يحبّ المطلق ويكره الطرق المسدودة. إنّ “الله يسخّر كلّ شيءٍ لخير الذين يحبّونه”، نعم كلّ شيءٍ؛ حتّى الخطيئة. أليست هذه هي حركة التوبة؟ لذة التائب هي ثمار الروح القدس، ومتعته هي دموع الرجاء.

هذا ما جرى مع القدّيسة مريم المصريّة، التي نقيم تذكارها اليوم، في الأحد الخامس من الصوم، قبل أن نتجه في الأحد القادم، أي الأحد السادس من الصوم، إلى أورشليم. غرقت هذه المرأة في لجج اللذّات حتّى العمق، لكنّ الخطيئة ليست طعامَ الإنسان. تمادت المصريّة في الخطيئة لكنّ الطريق كان مسدوداً. فقط حين عاشت – وكما يقول التقليد- أربعين عاماً في البرية لم يعد لهذا الطريق من حدود. الفضيلة فقط تبدأ دون نهاية، لأنَّ الفرح الناتج عنها حقيقيّ.

نحن، الصاعدين إلى أورشليم العلويّة، علينا أن نستعدّ فعلاً للمرور بأورشليم الأرضيّة ودرب الآلام لنبلغ إلى القيامة المجيدة. الوقفة اليوم عند مثل القدّيسة مريم المصريّة، والتأمّل في التجربة الإنسانيّة التي وقع فيها يوحنا ويعقوب، هما دعوةٌ إلى اختيار المتعة الحقيقية والابتعاد عن الآلام الخفية. القيامة ممكنةٌ فقط للمصلوبين. الصليب هو المجد، وهل للمسيحيّ مجدٌ أعظم من أن يشارك سيّدَه في أتعابه؟

يقترب منا أسبوع الآلام وتتّضح أكثر دعوتُـنا إلى أتعاب الفضيلة، إلى النسك وإلى المحبّة والصدق.

 حقّاً إنّ الممتع من فكر العالم هو المتعِب،  والمتعِب بفكر المسيح هو الممتع. آميــن

الإعلان

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s