الغنيّ ولعازر

الغني ولعازر

لوقا 16، 19-31

الأحد الخامس من لوقا

 ” وكان غني….وكان فقير اسمه لعازر “

الغنى والفقر نقيضان لا يلتقيان كالليل والنهار، والنور والظلمة. منذ أن كان الإنسان كانت الفوارق الطبقية تعذّب مجتمعه. وعمر الصراع بين الفقر والغنى، وبين الفقير والغني هو عمر المجتمع البشريّ. لقد تبدّلت أشكال الحلول، وحتى اليوم لم نجد أنّ الأمر قد تمّ حلّه. تدور السياسة وعلم الاجتماع والأديان كلّها حول نزع هذا الصراع. وكثرت الثورات من أجل حقوق الفقراء، والعديد منها لم يحّل مسألة هذه الفوارق بقدر ما بدّل شريحة الطبقات، فقلب الأغنياء إلى فقراء ونصّب الفقراء أغنياء وبقي الصراع الطبقي! النظرة السريعة إلى مجتمعاتنا والعولمة هذه الأيّام لا تبشّر بحلّ هذا الصراع، أو قد تنبئ بتعاظمه. فما هو الحلّ المسيحيّ؟ يعالج يسوع  هنا هذا الصراع. لذلك يعرض لنا غنيّاً وفقيراً، غنياً في الرفاهية حتى الترف، وفقيراً في العور حتى التلف، تلحس الكلاب جروحه. وذلك ليوضح الصراع في أقصى طرفيه.

في سفر الأمثال (24، 8) يبدو أن الحكمة تكمن في “الوسط” دون التطرف. فالغنى الفاحش والفقر المدقع هما الطرفان، وخير الأمور الوسط. لذلك كانت صلاة المؤمن “يا ربّ، لا تعطِني غنىً ولا فقراً، هبْني كفايتي والضروريات”. لكن نظرة سريعة للحياة تؤكد أن عوامل عديدة منها الفوارق الطبيعيّة أو غياب العدالة الاجتماعيّة أو ضعف الأنظمة السياسية والاقتصادية الخ… تجعل أغلبية البشر يتوزعون على الطرفين وليس في الوسط. فالبعض أغنياء والأغلبية فقراء والوسط قلائل. إذاً حين نوجد في غنى أو عندما نحيا في فقر كيف نتعاطى مسيحيّاً في مثل هذه الظروف.

يبدو أن المثل يدين الغني إدانةً قاسية لا توبة فيها ولا رجعة. ويجعل الفقير في غبطة أبدية بعد أن نال عذابه على الأرض. فما الخطأ الذي ارتكبه هذا الغني وما هي فضيلة هذا الفقير حتّى نالا هاتين المكافأتين المتعارضتين تعارض الغنى والفقر؟

لم يكن خطأ الغني غناه. لا ترفض المسيحيّة الغنى أو تطوّب العوز. عندما طوّب يسوع الفقر قال: “طوبى للفقراء بالروح”. وهناك أمثلة عديدة من القدّيسين الذين عاشوا في غنى ووفرة من الخيرات بدءاً بابراهيم أبي المؤمنين. فالفقر بالروح هو غير “العوز”. ما أدان هذا الغني هو الخطأ في “تبرير” غناه أولاً. وأنه لم يكن يرى للعازر أي حقّ في مشاركته “ممتلكاته” هو. لقد استفاد هو من غناه ومما وهبه الله من خيرات من أجل “تنعّمه” وبذخه أنانياً. ولم يشعر أن هذا الأخ المرميّ عند بابه يستحق منه أي عطف، خطأ الغني هو قساوة القلب، أي انعدام الإنسانيّة من داخله. فماذا ينتفع الإنسان عندما يربح مال العالم كلّه ويخسر نفسه – إنسانيّته؟

“الإحسان” كلمة مقدسة لدى كثيرين وهي كذلك. لكنّها بالوقت ذاته تافهة مسيحيّاً، لأن المسيحيّة لا تؤمن “بالإحسان” كما يمارس مرّات عديدة على أنّه تنازل أو تبديد مما نملك لفقراء لا حقّ لهم بمالنا ولكن من “حسننا” نهبهم بعض “إحساناتنا”. “الإحسان” هو المشاركة والتألم مع المحتاجين- ليس على أننا نعطيهم “مما لنا” بل “مما لهم”. العطاء- الإحسان هو إعادة توزيع عادل للخيرات.

لا ملكية بحسب الكتاب المقدس، لأنّ المالك الوحيد هو الله الخالق. وأعطي للإنسان فلاحة الفردوس والعمل فيه (تك 2، 5). فالمالك هو الله والوكيل والمدبّر هو الإنسان. المسيحيّ الغني بالنهاية هو “أمين” على رعاية الخيرات المودعة بين يديه. وله منها “خبز كفاف يومه” فقط. لماذا يذكر يسوع في المثل أن الغنّي المعذّب رأى من جهنم الفقير لعازر في أحضان إبراهيم؟ ويجيب فمّ الذهب لأن إبراهيم كان غنياً كريماً وصالحاً، أي لكي يرى الغني القاسي في مثلنا هذا خطأَه والصورة التي كان يجب أن يكون عليها.

هل للفقير حقّ في اقتسام أموال الغني؟ من نظرة سياسية أو اجتماعية الجواب واضح: لا. يمكننا أن نفترض أو نتمنى، في فلسفتنا الاجتماعيّة، أن يشفق الغني ويحسن إلى الفقير ولكن ليس من السهل أن نتصوّر أن للفقير حقّاً في اقتسام أموال الغني.

عديدون يتعلّلون بكلام بولس الرسول مردّدين كلماته قائلين: “من لا يعمل لا يأكل”، فالغني عمل كثيراً لذلك يأكل كثيراً، حتّى أحياناً يحقّ له أن يأكل حقوق الآخرين بحسب شريعة الغاب! والفقير يعمل قليلاً فيأكل قليلا.ً إلاّ أن عبارة بولس الرسول بالحقيقة مختلفة تماماً عن هذا الاستخدام المشوّه لها، فبولس يقول “من لا يريد أن يعمل لا يأكل” (2 تس 3، 10). هناك ظروف عدّة، وعديدة جداً، قد لا تسمح بتساوي فرص العمل، ليس بسبب من سوء إرادة الفقراء ولكن من سوء تنظيم المجتمع، وأسبابه أكثر من أن تذكر أو تدرس في عظة. نعم، “من لا يريد أن يعمل” لا يستحق أن يأكل من تعبه ولا من تعب الآخرين.

الحالات الخاصّة في المجتمع ليست شريحة ضعيفة من البشر علينا أن نرقّق قلوب العظماء والأغنياء ليرموا فتاتاً عن موائدهم تسّد قليلاً من حاجات هؤلاء المتألمين. البشر ذوو الحالات الخاصّة والفقراء، بسبب من عدم العدالة الاجتماعيّة، هم إخوة يحقّ لهم باستحقاق أن يقاسمونا كلّ شيء. فهم مدبّرون مثلنا لم يسمح لهم المجتمع أن تودَع بين أيديهم الأمانة الكافية بعد!

هل هناك حقّ إذاً للمحتاج والمريض، حين يقدّم هو الأخير جهده وطاقاته بأن يأكل حسناً؟ في المسيحيّة الجواب هو نعم. لا يوجد “إحسان”! توجد عدالة قوامها ليست مقاييس شريعة الغاب إنّما وصيّة “المحبّة”، التي تشعر مع الآخر وليس تشفق عليه، المحبّة التي تلتزم بالوصيّة الإلهيّة وبالآخر. خطأ الغني إذاً هو الاستخدام الأناني. ليس في لغتنا المسيحيّة “إحسان” وإنّما “حنان” وقلب إنسانـيّ حيّ.

الغني الحنون، إذاً، لا يمكنه ألاّ يعير انتباهاً لأي لعازر في دربه. لا يمكن للغني المسيحيّ أن يخبئ في خزانته رداءً إضافياً وأخوه عريان (باسيليوس الكبير) فهو بذلك لا يحسن التدبير، لا يمكن للمسيحيّ أن ينعم وأخوه يتألم. المسيحيّ الغني هو فقير بالروح، والفقير غنيّ بالروح.

حين نكون في وفرة الخيرات- غنى علينا أن نفتقر بالروح ونحسن التدبير. وحين تفرض الظروف أن نكون في قلة من الخيرات- فقر، علينا أن نغنى بالله ونتكلّ عليه ونسعى بالصبر، كما يعني الاسم الذي اختاره يسوع في هذا المثل: “لعازر” أي المتكلّ على الله والصبور. ذاك الغني أدانته “أنانيته” وهذا الفقير لعازر بررّه “صبرُه”.

الحلّ لمسيحي هو في “المحبة” عند الغني و”الصبر” عند الفقير. هذان سيبدّدان الفارق مهما كان كبيراً.

هذا ما يخبرنا عنه موسى والأنبياء (الكتاب المقدس) لكي نلتزمه ونحياه الآن ولا ننتظر أحداً من الأموات حتى يخبرنا.

آمين

من كتاب سفر الكلمة (الجزء الثاني)

للمطران بولس يازجي

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s