الإحساس الإنسانـيّ بين الموت والحياة

LazarusRichMan

“كان إنسان غنيٌ.. وكان مسكينٌ اسمه لعازر مطروحاً عند بابه”

يتطرّق الربّ هنا إلى أمرٍ هام من خلال هذا المثل، فيُكثر من الصور المتناقضة. هناك مشهدان متعاكسان تماماً في كلّ شيء. وفي مرحلتين مختلفتين من الزمن، في زمن الحياة الحاضرة العابرة، وفي زمن الحياة الأبدية.

التناقض بين وضع الغني ووضع الفقير بعد موتهما مهيب، ويدعونا فعلاً للتأمل في أسباب هذا الانقلاب والانعكاس في الأمور بين هذا الدهر وبين الآتي. فالفقير هو في أحضان إبراهيم (النعيم) أما ذاك فمن بعيد ينظر إليه. الفقير الآن يتعزى والغني يتعذب. إنّ سبب هذا الفارق الرهيب في وضع الغني هو أنه لم يحسّ سابقاً بالفارق الضخم بينه وبين الفقير.

لماذا وقع الغنيّ بهذه الحالة من “عدم الحسّ”؟ كم من مرّة دخل وخرج وهو في رفاهيّته وتخمته وكان يصطدم بهذا الفقير الذي لم يحصل على أدنى حقوق الوجود في الحياة، ولم يخلق هذا الفارق في داخله أي سؤال! قد تكون الأسبابُ عديدةً التي جعلت هذا الغني لا يحسّ بلعازر الفقير ولكن لا بد أنّ أهمّها ثلاثة:

أوّلها “الجهل”. كان الغنيّ يجهل مصدر أمواله وغايتها. لا بدّ أنّه لم يكترث بهذا الفقير المطروح على بابه لأنه بالأساس يؤمن أنّ لا حقّ للفقير بماله هو، وأنّ كلّ إنسان مسؤول عن ذاته، وكلّ فرد يحصد ما يزرع، وأن له الحقّ أن يتابع حياته متجنّباً حياة الآخر. إنّها صورة تنطبق تماماً على حياة مجتمعاتنا اليوم: “وهل أنا مسؤول عن أخي”؟ هذه عبارة وردت على لسان قاتل في الكتاب المقدّس وليست عبارة للسان الأخ! كان هذا الغني يجهل أن الله سينظر إليه من خلال نظرته هو إلى قريبه، الذي وضعه الله له في جواره.

 السبب الثاني، أن هذا الغنيّ كان “يتنعّم” كلّ يوم تنعّماً فاخراً. إن حياة التنعّم هذه تسلب من الإنسان الانتباه إلى الآخر؛ وإلى ذاته أيضاً. الإنسان الذي يحدّد الصورة الأجمل لحياته في “التنعّم” يكون قد نصب هذا الوثن مكان الله واستغنى بذلك عن الله والقريب. تستأثر اللذّة عموماً بالإنسان وتجعله أنانيّاً يسعى لذاته، ويستهلك من أجل ذلك كلّ آخر حوله. كثير من الناس لا يشعرون بمآسي الآخرين إلاّ عندما يذوقون من الحياة مرّها أو عندما تعصرهم قبضة الشدائد. أُعطيت الخيرات في الحياة لتحررنا من عبوديّة الحاجة، إلا أن التنعّم الفاخر بها، كما يصفه الإنجيل، يستعبدنا للذّة.

أما السبب الثالث فهو “العادة”. فمن اللحظة الأولى التي صادف فيها هذا الغنيُّ الفقيرَ ملقىً على بابه وقرّر فيها أن يتركه وألاّ يأبه به، من تلك اللحظة نمت لديه هذه العادة، وهي أن يقبل خطيئته دون أن يوبّخه الحضور الصارخ لهذا الفقير. لقد قبل ذاته مرةً هكذا كعديمة الشفقة وقبل بواقعه وبواقع ذلك الفقير. فصار هذا القبول عادة لم تسمح له ولا لحظة بأن يُعيد الحسابات. هل هذا صلاح أم خطيئة؟ عندما نعتاد واقعنا غير الصالح يصبح مقبولاً لدينا!

وآنذاك نحتاج فعلاً لبوق ينذرنا أو لمن يوقظنا. وهنا تأتي الكلمة الإلهيّة التي تصدم قشور العادة وتكشف بنورها بطلان الجهل وتبدل معاني النعيم. فالكلمة الإلهيّة تجعلنا مسؤولين عن الآخر، عن القريب، وتذكرنا أن الله أرسلنا عَمَلةً في محيطنا مسؤولين وليس غير مبالين، لا بل إن علاقتنا المحبّة والمسؤولة مع هذا المحيط هي التي ستديننا، هي التي ستعطينا القيمة في المنظور الإلهيّ. الكلمة الإلهيّة تجعل اللذة في العطاء وليس في الأخذ. والكلمة الإلهيّة هي العدو الأوّل للعادة! الكلمة بوق دائم ينادي بالتوبة ويقود إلى اليقظة ويعيد في داخلنا الحسابات.

تحيي الكلمة الإلهية الحسّ الإنساني فينا أي تنهض فينا حقيقتنا. الكلمة الإلهية تبدّد الجهل وتكشف المعنى الحقيقي للغنى والحياة. الكلمة الإلهية تبدّل التنعم بالخدمة والمسؤولية. الكلمة الإلهية تجدّدنا كل لحظة ولا تسمح بتسلّط العادة. لذلك جواباً على تمنّي الغني، بعد أن فات الأوان، نصح يسوع الأحياء قبل موتهم أن يسمعوا لموسى والأنبياء أي للكلمة الإلهيّة التي عندنا.

آميـن

من كتاب سفر الكلمة- الجزء الثاني

للمطران بولس يازجي

One response to “الإحساس الإنسانـيّ بين الموت والحياة

  1. شكرا للرب على وجود ناس متلك.يدعموا الكلمة الالهية ويحرصوا على ايصالها للناس .الرب يباركك سيدنا ويرجعك بخير

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s