السامري الصالح

السامري الصالح

لوقا 10، 25- 37

الأحد الثامن من لوقا

مَن يجعل قريبي كنفسي؟

“مَن صار قريباً للذي وقعَ بين اللصوص؟”

          مَثلُ السامري الصالح من أقرب الأمثال إلينا وأشهرها. سمعناه وعلّمناه. لكن لا ترمينا سهولتُه في الاستخفاف به. كلمة الله كالمطر كلّما تكرّر كلّما أثمر.

          يجرِّب هذا الناموسيُّ العالِمُ بالدين وشرائعه يسوعَ بالسؤال الأصعب: من هو قريبي الذي يدفعني لأحبَّه كما أحب ُّ نفسي؟ هل يوجد قريبٌ كهذا؟ فعلاً ما  ومَن يدفعني لأحبَّ أحداً أو الجميعَ كحبي لنفسي، ونحن كائناتٌ أنانيةٌ لا تحبُّ أحداً كحبّها لذاتها!

          الواجب، الذي حدَّدته الشريعة يدفعني لأحبَّ “الله من كل قلبي… وقريبي كنفسي”! لكن لم يتمِّم أحدٌ هذه الشريعة. الشرائع هي فروضٌ خارجية، تبدو لنا نحن الكسالى قاسيةً. لذلك كي نبرِّر ذواتنا ولا نترك الشريعة تديننا على خطايانا نوجِد ” فتاويَ”، وأعذار كما يقول المزمور”لا تُمِل قلبي إلى كلام الشرّ فيتعلَّل بعلل الخطايا”. وهنا أراد معلّم الدين- الناموسي- هذا أن يبرِّر ذاته. عندما قال له يسوع اعمل ما تعلَمُه أي بالشريعة التي تحفظها، أجاب لا أعلم من هو هذا القريب! يفرض الناموس من الخارج وصايا بالصلاة والصوم والإحسان واللطافة… فنقوم نحن الكسالى بإيجاد الأسباب الزائفة والأعذار الواهية لكي لا نتمّمها أو لنتمّم منها الحدَّ الأدنى.

          مثالنا هنا هو الكاهن واللاوي، مرّا على الواقع بين اللصوص، وعبرا عن هذا الواجب، لا شكَّ بحجةٍ ما تُبرِّر لهما في أعين ذاتيهما عبورهما. كان عمل الكاهن واللاوي جمعَ مال الهيكل وخيراته لمساعدة المحتاجين، رغم ذلك أعرضا عن هذا المحتاج جداً، وأوجدا لنفسيهما حجةً أهمّ منه. كلنا نريد المساعدة لكن بحدودٍ لا تمسّ برامجنا ومسيرتنا وطريقنا… نعطي مما لا يغيِّر شيئاً في حياتنا. يتلاعب الناس على الشرائع ويَخرجون منها مبرَّرين دون أن يتمموها! لا يمكن للناموس أن يجعلني أحبُّ آخرَ كذاتي. فالذات هي المفضَّلة على الآخر دوماً.

          الإحساس أوالعطف، من الدوافع الجيدة التي تجعلنا نفكر بالآخر، كأن تحب أمٌ ابنها وأخٌ أخاه وصديقٌ صديقه… تجمع الناسَ علاقاتٌ حميميةٌ عديدة، تجعلهم أحياناً يحبون الآخر كأنفسهم. ولكنَّ هذه الدوافع بالكاد تنجح، وفي إطارٍ ضيقٍ جداً ولفتراتٍ قصيرةٍ ونادرة. التعاضد والتعايش والعاطفة هي دوافع ساميةٌ واجتماعية لكنها لا تكفي لتجعل أحداً يحب الآخرَ كنفسه!

          مَن إذاً يدفعني لمحبة كلِّ إنسانٍ أمامي- قربي كنفسي؟ كما أَحبَّ هذا السامريُّ الجريحَ، لا بداعي الناموس ولا حتى بداعي العطف، فقد كانا عدوَّين. يلزمنا لتحديد ذلك سؤالان:

          أولاً، بمن يُطابق يسوعُ شخصيات المثل؟ لا شكّ أننا نتطابق ليس مع السامريّ الصالح هنا، ربما مع الكاهن واللاوي، وبالأكثر نحن نمثّل هنا الجريحَ المطروح بين حيٍّ وميتٍ روحياً ومادياً، وقد فقد كلَّ ماله، وحتى حياته تقريباً. ما هو شعور هذا المجروح والطريح، عندما مرّ عليه بنو جنسه وتركوه، وعندما لم تساعده الشرائع؟ فهناك مَن يسرقه ويضربه وآخرون لا يأبهون به، إلا هذا السامريّ الصالح، أي يسوع! هل هناك أعظم من هذا الشعور بالرحمة؟

سامريٌّ كهذا فقط يستطيع أن يبدّل جريحاً مثلنا! لا شكَّ أن الجريح اشتهى ألا يكون كالكاهن واللاوي بل كالسامريّ، كيسوع. مَن ضمّد يسوع جراحاته وحمله على منكبيه واعتنى به في الفندق، هذا ينطبق عليه قول السيد “عندما أرتفع (أُصلب) سأرفع إليَّ كثيرين” ( , ) عن مناهج هذا العالم. كلٌّ منا كهذا المطروح والجريح، وكلٌّ منا زاره السامريُّ الصالح وافتقده يسوع. إن تأمَّلنا بهذه الحقيقة، سنشتهي أن نكون على مثال يسوع. هذا هو الدافع الوحيد الذي يمكّننا من أن نحب الآخر كأنفسنا وأن نبذل أنفسنا لأجل مَن نحب، وأن نحبَّ كلَّ إنسان.

           ثانياً، كيف أنهى يسوع جوابه للناموسيّ؟ لقد أجابه بطرح سؤالٍ عليه: “مَن صار قريباً للذي وقع بين اللصوص؟”. يسأل الناموسيّ: “ماذا أفعل؟” ويجيب يسوع: “من صار؟”

الرحمة ليست مجرّدَ الأعمال بل طبيعةٌ روحيةٌ جديدة. عندما نصير رحماء كالسامري الصالح عندها نعطي الكثير، أكثر مما لأنفسنا وبفرحٍ. الرحوم يفرح بالعطاء، كما يقول بولس الرسول “العطاء ألذّ من الأخذ”!

من يجعلني أحبُّ قريباً مثل نفسي كنفسي وأكثر؟ لا الناموس يستطيع ولا العطف يكفي، بل إنما هو يسوع السامريُّ الصالح الأول، عندما ارتفع على الصليب وحمل أوهاننا بحبه يرفعنا رفعنا فوق ذاتنا ذواتنا ويجعلنا وجعلنا نحب كل الناس (حتى مَن يُسمّى منهم أعداءنا) حتى مَن يُسمّون منهم أعداءنا أو حتى مَن يُسمّى منهم عدوّنا، وذلك بفرحٍ وغبطة.

لا تسأل ماذا يعمل الناس! ولا ماذا يقول الناموس والشرائع! السؤال الوحيد اللائق هو”بماذا نكافئ الربَّ عن كلِّ ما أعطانا”! وهل نحن رحماء كما أنَّ أبانا السماوي رحيم؟ هل حوَّلني السامريُّ الصالح الأول إلى سامريٍّ صالحٍ ثانٍ؟

من كتاب  سفر الكلمة – الجزء الثاني
للمطران بولس يازجي

One response to “السامري الصالح

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s