اهتماماتنا- الأحد الثالث بعد العنصرة

متى 6، 22-33

الأحد الثالث من متّى

seek-first-the-kingdom-of-god

اهتماماتنا

“فاطلبوا أوّلاً ملكوت الله وبرّه وكلّ شيء يزاد لكم”

هذا هو الصراع الأزلي بين غلبة الروح أو غلبة المادة! بين الملكوت والأشياء! وتلعب احتياجاتنا الماديّة الحقيقيّة دور أداة كلّ من الغلبتَين. فنراها حيناً تأسرنا ونصير مخنوقين في هموم الحياة كما حصل في البذار الذي نبت بين الأشواك فلم يثمر. ونراها حيناً آخر أداةً ترفع روحانيّتنا وإيماننا، إذا ما تجرّأنا ورتّبنا احتياجاتنا الماديّة في الدرجة الثانية بعد اهتمامنا الروحي، فالملكوت هو الغاية، والأشياء هي أداة نستخدمها سلبياً فتستعبدنا للعالم أو إيجابياً فتحرّرنا نحو الملكوت.

إنّ كلمة الربّ “لا تهتموا قائلين ماذا نأكل وماذا نشرب وماذا نلبس” تبدو بالفعل للوهلة الأولى قاسية أو غريبة. ونحن نعرف ونؤمن أنّ الربّ يسوع والكتاب كلّه لا يوصيان بعدم الاكتراث بالأمور. على العكس، الوصيّة هي أن نهتمّ بكلّ الأمور الاهتمام الكافي، لكي نتمّم كلّ شيء بدقّة ونجاح. إنّ الوصيّة لا تعني الكسل وعدم الاهتمام، وإنّما ألا “نقلق” تجاه هذه الأمور في الحياة. لأن الربّ يسوع أردف هذه العبارة بـ” إنّ أباكم السماويّ يعلم أنّكم تحتاجون إلى هذا كلّه”، وهو يقيت طيور السماء ويلبس زنابق الحقل أجمل مما لبسه سليمان في مجده.

إذاً المسيحيّ “يهتمّ”! لكن السؤال العميق هو “بماذا يهتمّ”؟ لا بدّ من تركيز اهتماماتنا على الأهمّ لكي لا نضيع وسط كلّ انشغالات الحياة. يهتمّ المسيحيّ أوّلاً بمسائل “ملكوت الله وبرّه”. يهتم بالكلمة الإلهيّة ويعطي الصلاة حقّها من يومه. يهتمّ أيضاً بأخيه الإنسان ويقدّم له ما يكفي من الوقت والمساعدات. يهتمّ المسيحيّ بالبشارة ولا ينسى أنّه سفير يسوع في العالم. لذلك إنّ جلّ اهتمامه هو تأدية سفارته ورسالته ولا يعطي لسكناه في هذه البلد الغريبة أكثر ما تستحقّه من الاهتمام. إن “همّ” المسيحيّ الوحيد هو “الأوّل” أي ملكوت الله وبرّه.

ولا تأخذ الاهتمامات الأخرى أهمّية أكثر من حقيقتها. كلّ ما نصادفه من مسائل في الحياة، لا يظهر لنا أبداً كـ”هموم” شخصيّة، فهي مسائل في قبضة الله الراعي الصالح، لكنّها هنا تمتحن إيماننا، بحيث تكشف إذا ما كنا “سنتّكل على الإنسان” وهذا بحسب المزامير”باطل”؛ أم إن كنا نتّكل على الله “فلا نخزى”!

لهذا يحيا المسيحيّ ضمن كلّ متطلبات الحياة في “يقظة”، إذ هو يدرك أنّ الصعاب ستجد حلّها لأن يد الربّ ترعانا، وهو “يقودنا إلى مراعي الراحة والسهول الخضراء”. فلا نبدو وكأنّه قد “ثقلتْ قلوبنا في خمار وسكر وهموم الحياة” فيصادفنا ذلك اليوم بغتة” (لو 16، 13).

تشكّل الرهبنة الصورة الأوضح عن هذه “اليقظة” المقدسة، وعن تغلّب الروح على المادّة، حتّى حدود تظهر فيها أن أي إهمال مفروض بسبب “ضيق الأيّام” يمكن أن يصير في حقّ الحاجات اليوميّة وليس على حساب حياتنا الروحيّة.

ونحن، من يحيا وسط مغامرّات وأمواج الحياة المدنية، يجب ألاّ نكون أقلّ جرأة من الرهبان! “فلنطرحْ عنا كلّ اهتمام دنيويّ” بجرأة الإيمان، ولنوجّه نظرنا إلى “الواحد الذي الحاجة إليه”، وهو سيتدبّر أمورنا حين ننساها من أجله، كما تدّبر سابقاً إطعام آلاف وسواهم من الجموع حين تبعوه يسمعون الكلمة ناسين حاجاتهم (متى 16، 5-12).

مقصدنا هو الملكوت، لذلك فرحنا هو أن نحقّق رسالتنا كسفراء ليسوع يقظين في العالم نحيا بّر الله وسلامه. نستقبل أيّة تجربة أو حاجة وكأنّها إيقاظ للاتّكال على الله الكامن في عمق إيماننا. بركة الله هي سلامنا وبرّه. هو حاجتنا الأولى، وكلّ شيء ضروري يزاد منه لنا. نحيا في غلبة الروح دوماً، آميـن

من كتاب سفر الكلمة-الجزء الثاني

للمطران بولس يازجي

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s