صلاة الرجاء أو الخباء

gr.pinterest.com

“كيف يكون هذا؟”

بين زكريا والعذراء

رؤيا هنا من رئيس الملائكة ورؤيا هناك مثلها. هنا يبشِّر بميلاد السابق وهناك باللاحق، هنا بالنجم وهناك بالصبح، هنا بالمصباح وهناك بالنور، هنا بعجبٍ تكرَّر وهناك بالعجب الأكبر الذي لا يتكرَّر. هنا بميلاد يوحنا من عجوزٍ وهناك بميلاد يسوع من بتول!

جواباً على بشرى رئيس الملائكة يتفوَّه زكريا بعبارةٍ تفوّهت العذراء بمثلها تماماً بعد ستة أشهر، ولكن بين هذا وذاك، بين هنا وهناك فرقٌ شاسعٌ لا بل التضاد. هناك عاقب الملاك شكَّ زكريا بالصمت في: “كيف يكون هذا”، وهنا بارك الملاك العذراء على قبولها بقولها: “كيف يكون هذا”! (لو 1، 18 و 34)

كان زكريا عجوزاً حين بشره الملاك. لا شك أنه كان وزوجته أليصابات بارَّين، وكانا يرغبا بولدٍ ولم يُرزقا. ولا شك أنهما صليا كثيراً من أجل ذلك لكنهما لم يرزقا، وبقي الله غيرَ مجيب. حين استجاب الله متأخراً عن المتوقَّع، لم يصدِّق زكريا بشرى الملاك. لقد تيقَّن بعد صلواتٍ طويلة أنَّ الله لن يستجيب. وعندما قال الملاك له: “لا تخف يا زكريا لأنَّ طلبتك سُمعت…” لم يصدّق لأنه اعتاد على أنها لم تُسمع! انتظر زكريا المولود كثيراً، لكن بمعاييره وليس بمعايير الله! انتظر، لكنه اعتاد الانتظار دون استجابةٍ فباتت الاستجابة غرابةً. نصلّي لتغيير واقعٍ ما، ومراتٍ كثيرةً نعتاد عليه ونفقد الرغبة بغيره. لأن صلاتنا تصير بلا رجاء.

لطالما نصلّي فقط لنردِّد وليس لتبديل شيءٍ في حياتنا! أبشع ما قد نصاب به هو أن تصير صلاتنا عادةً وأن تبقى حياتنا هي هي المعتادة. يجدر بصلاتنا أن تبدّل حياتنا، الله كائنٌ ديناميكي وليس فكرةً ستاتيكية. من يخاطب الله يتغيَّر طريقُه، كخروج إبراهيم أبي المؤمنين، وكلّ القديسين الذين سمعوا فساروا.

وها هي العذراء تردِّد العبارة ذاتها لكن بالمفهوم المعاكس. بينما يقول زكريا “كيف يكون هذا” أي يستحيل ذلك، تقول العذراء “كيف يكون هذا” أي قل لي كيف سأتمم ذلك! هناك ضرب الملاكُ زكريا بالصمت حتى/ إلى أن يتمَّ الكلّ. وهنا غبّط الملاكُ العذراءَ بأنشودةٍ لم يسمعها بشريٌّ “مباركةٌ أنت” في النساء.

تربَّت العذراء في الهيكل على رجاء قدوم المسيح من بني جنسها. وعندما بشَّرها الملاك أنها ستكون تلك العذراء المعنية بهذا العجب الأغرب، ظهرَ أن رجاءها كان حياً في حياتها. فهي مستعدَّةٌ في صلاتها لقبول تبديل مجرى حياتها.

خاف زكريا وخافت العذراء. يأس زكريا وسقطت صلاتُه في العادة، ترقبّت العذراء برجاءٍ وبقيت صلاتها في الحرارة. قال زكريا أنا عجوزٌ وبُشراك أيها الملاك خاطئة. قالت العذراء أنا بتولٌ لكني أمةٌ للرب. هو نظر إلى ذاته فظهرت البُشرى مستحيلةً، هي نظرت إلى الله فعرفت أنَّ الربّ يقول فيكون.

تتأرجح صلاتنا بين الرجاء والخباء، بين أن تتّقد كلما تأخَّر العريس وبين أن تصدأ كلما طال الانتظار. اسهروا- قال يسوع- كلما شعرتم أنّ الزمان طال. حين يتأخَّر الربُّ عن الاستجابة يطلب منا زيادة الرجاء. لا يخبوا رجاؤنا بالله بل يشتعل طالما يطول الزمان بين الطلب والاستجابة.

الرجاء هو مادة الحرارة في الصلاة. صلاةٌ دون رجاء هي أشبه بالرياء. صلاتنا ليست واجباً أو مجرَّد عبادةٍ نرسلها إلى الله. صلاتنا هي حركة إصغاءٍ واستلام ما يرسله الله إلينا فيها. هاءنذا أمةٌ للربّ! وها أنا عجوزٌ طاعنٌ في السن. هذان هما الموقفان المتغايران في الصلاة.

“من انفجار الصبح إلى الليل… ليترقَّب إسرائيل الربَّ”(مز 129، 7). كلّما طال الانتظار كلما ازدادت شعلة الرجاء طولاً. الانتظار زمان استعدادٍ وليس استسلام. الانتظار ترقُّبٌ يتَّقد مع طول زمانه وليس رجاءً يخبو مع طول أيامه.

لتمتلئ صلاتُنا بالرجاء فتلتهب بالحرارة، وتضعنا في الاستعداد والتأهب. لكيما نكون كالعذارى والعذراء حين يدخل العريس، آمين.

المطران بولس يازجي

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s