صلاة الشكر

“أليس العشرة قد طهروا فأين التسعة؟”

the ten lepers

تحمل هذه العبارة عتاباً عميقاً من يسوع، وتمسّ مسألة جوهرية من حياتنا اليوميّة وطبيعة علاقتنا مع الله. لقد شفى يسوع عشرة برص لكن واحداً منهم فقط عاد وسجد له وشكر.

اعتدنا أن نبني علاقتنا مع الله على أسس عديدة. منها مثلاً الخوف، وكأن الله قاضٍ أو منتقم. أو الحاجة، وكأن الله خادم لحاجاتنا، نحبّه حين يحقّقها ونجدف عليه حين لا يلبّيها. لذلك نطرح دائماً السؤال على أنفسنا، حين لا نجد في لحظة ما حاجة نطلبها من الله، السؤال ماذا نصلي؟ لأننا ربطنا الصلاة بالطلبات. والصلاة بالأساس هي غير ذلك. الصلاة هي عشرة مع الله، هي الوقفة في حضرته، وهي إذن حياة علاقتنا به.

ما امتاز فيه الكتاب المقدس عن أديان عديدة في زمنه هو تشديده على تسبيح الله وتمجيده، أي شكره. والمبدأ هو أن كلّ شيء في الدنيا هو “هبة مجانية منه” نأخذها وليس بإمكاننا دفع أي ثمن مقابلها، لذلك نعترف بالجميل ولا نقدر إلا أن نشكره عليها. كتاب المزامير، خاصة، ملآن بالتسبيح والشكر، “احمدوا الربّ لأنه صالح وإلى الأبد رحمته –هللوييا”. إن جوابنا الوحيد على العطايا الإلهيّة هو الشكر والحمد. إن خطيئة الوثنيين كانت “أنهم عرفوا الله، ولم يمجدّوه ولا شكروه” (رو 1، 21). كلّ شيء في الدنيا يدفعنا إلى الشكر، “فأي شيء لك لم تأخذه”؟

في العهد الجديد، يسيطر جوّ الشكر لله على كلّ التفاصيل، فيسوع ذاته كان يشكر ثم يبارك ويكسر… في تكثير الخبز والسمك وفي العشاء السريّ. وصلاته الوداعية تسمى صلاته الشكرية، لأنه يرفع الشكر للآب، لقد جاء ليجعلنا نشكر الآب معه (يوحنا 11، 42).

بولس الرسول هو لاهوتيّ الشكر، لأن الخلاص لم يكن بالأعمال إنّما بالنعمة الموهوبة مجاناً. وسفر الرؤيا يعلن أن “الصلاة- العلاقة الوحيدة” في أورشليم الجديدة هي “الشكر”. هناك سيبطل الطلب وتبقى المحبّة.

والشكر هو صلاة الكنيسة. فنحن نشكر الله عند نهوضنا من النوم. ونشكره بعد الطعام لأنه يشبعنا من خيراته الأرضيّة. ونشكر على النهار كلّه قبل النوم. ونكرر ونكرر دائماً عبارة المجدلة: “المجد للآب والابن والروح القدس”، أي الحمد والحمد للآب والابن والروح القدس. هذه العبارة هي عبارة شكرية لأن العجز في التعبير عن الشكر يدفعنا إلى رفع المجد والتسبيح، كأقصى شكل للشكر. وعندما يجتمع المؤمنون يقومون بشكر الله، في سرّ الأفخارستيا (الشكر) أي القداس الإلهيّ. نحن المتفرّقين نجتمع “لنشكرنّ الربّ”، كما نقول في الكلام الجوهريّ. نحن نجتمع إذن لنشكر، لذلك القداس الإلهيّ هو عملنا الأوّل حين نجتمع. نقدم القرابين تقدمة شكر، والرحمة والعبادة ذبيحة شكر وتسبيح.

هذه هي صلاتنا الحقيقيّة، في الكتاب وفي الطقوس. ولكنّنا أحياناً عديدة نفسدها ونحصرها في درجاتها الدنيا. هناك إذن درجات أربع للعبادة والصلاة.

الدرجة الأولى هي درجة البرص التسعة، الذين طلبوا حين احتاجوا (صلّوا)، ولكنّهم مجرّد أن نالوا طلبهم “مضوا” ولم يعودوا شاكرين. ولم يربطهم العطاء بالمعطي ولا الهبة بالواهب. هذا هو شكل صلاتنا مرّات عديدة، حين نضع الله في قفص خدمة حاجاتنا.

والدرجة الثانية هي درجة الأبرص العاشر، الذي لمّا لاحظ أنّه برأ من مرضه عاد وشكر وسجد. ولكن مشكلتنا بالأساس أننا لا نلاحظ إحسانات الربّ وهداياه المجانية. ولطالما نعيد كلّ شيء جيد لأنفسنا، وليست قليلة المرّات التي نعيد فيها كلّ سوء إلى الله، لنعاتب أو نشك أو نجدف. علينا أن “ننتبه” إلى العطايا الإلهيّة. إن مطالعة الكتاب المقدس وسير القدّيسين وممارسة الأسرار الكنسيّة تفتح أعيننا المغلقة على العالم كعطية إلهيّة، ونقرأ في كلّ نواحيه محبّة الله المجانية، عندها نستطيع أن نشكر.

وهناك درجة أفضل، نصلي فيها عالمين أن الله وهّاب للعطايا دون حساب، وأنه أحبنا ونحن بعد خطأة… نصلي فيها -كما نقول في أفاشين القداس- على ما نلاحظه من عطاياه وعلى ما لا نلاحظه، على الإحسانات الظاهرة والإحسانات غير الظاهرة. لقد أوصى الربّ في الإنجيل ألاّ تعرف شمالنا ما تعمله يمينُنا حين نجري الإحسان. ولا بدّ أنّه أول من يطبّق هذه الطريقة. والأكيد لنا أننا لا ندرك مقدار إحساناته حتّى تلك التي لا نراها، لأنه محب البشر على الدوام.

أما الدرجة الأخيرة فهي حين نشكر ونحن في ضيق وشدّة. حين نعرف أنّ الله محبّ ومعطٍ ليس فقط في ظهور عطاياه الجيّدة، ولا من إيماننا أنّه يهبنا ويرعانا ولو لم نرَ ذلك. ولكن نشكر حتّى في ساعات الألم والشدائد لأن العطية من الله والبليّة ليست منه. آلامنا ليست دليلاً على الهجر الإلهيّ، إنّما قد يكون لها أسبابٌ عديدة أخرى. نؤمن أنّه حين تكثر الآلام تكثر النعمة، وأن السيّد يشاطرنا آلامنا وهو معنا فيها أكثر من اللحظات التي نحياها في الراحة. الربّ إلى جانبنا في الشدّة وليس هو سببها. لذلك نعرف عن القدّيس يوحنا فمّ الذهب أنّه بعد خدمة للكنيسة شاقة وصادقة نُفِي ظلماً، ولما كان في منفاه على فراش الموت بسبب البرد والضعف والتعب، جاء إليه تلاميذه فسمعوه في تلك اللحظات يقول: “الحمد لله على كلّ شيء”!

أليس العشرة قد طهروا فأين التسعة؟ أليس الجميع أخذوا كلّ شيء، فأين الشاكرون؟ هذه صلاتنا: “الشكر لله على كلّ شيء”. آميـن

الإعلان

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s