الأحد قبل رفع الصليب – رسم المسيح ورسمنا

81829

يوحنا 3، 13-17

الأحد قبل رفع الصليب

“وكما رفع موسى الحيّة في البرية هكذا ينبغي أن يُرفع ابن البشر”

سرّ رفع المسيح على الصليب هو سرّ فداءٍ، إنه معثرةٌ للأمم لكن قوة الله لنا. يتكلّم النص عن هذا السرّ بطريقةٍ رائعة، ويجعله يلازم حياتنا.

يشير المسيح هنا إلى حدثٍ رسَمَ من العهد القديم صورةَ ما سيجري مع الربّ يسوع في العهد الجديد. عندما تضجّر الشعب اليهوديّ، غير معترف بجميل الله ومحبّته، ظهرت في البرية حيّاتٌ أماتت بلسعاتها وسمّها الكثيرين. وعندما تحنّن الله على شعبه أمرَ موسى أن يرفع (على خشبة) حيّة نحاسيّة، وقد كان رفع الحيّة النحاسية رسماً لرفع المسيح الإنسان. فتلك كانت شبيهة بالحيّات السامّة والربّ كان شبيهاً بالبشر، هناك الحيّة لم تحمل سمّاً وهنا المصلوب لم يحمل خطيئة، هناك كان كلّ من يُلسع بسمّ الحيّات ينظر إليها فيشفى، وهنا ما الذي يجري؟

الواقع، أنّ لدى الغالبية خلطاً غير واضح بين الخطيئة وأسبابها. وغالباً ما نرمي مسؤوليّة الخطيئة على الجسد. فنحن مثلاً نبرّر السرقة بجوع الجسد، أو الإهمالَ بحجّةِ التعب… وكلّ خطايانا نعيدها إلى إرغام حاجات الجسد ولذَّاته… ونخطئ فهم قول بولس “أنّ الجسد ضدّ الروح”، وكأن الجسد يحمل دوافع الخطيئة! إنّ يسوع حمل جسدنا لكنّه لم يخطئ. حمل أهواءنا ذاتها غير المعابة من جوع وعطش وألم وتعب… لكنّه لم يسمح للأهواء المعابة أن تجعل الجسد يحمل سمّ الخطيئة.

إنّ رفع يسوع على خشبة هو رسمٌ مسبق لرفعنا نحن تلاميذه. إنّ تلميذ يسوع حين ينظر إلى سيّده مصلوباً يعتمد معه على شبه موته وقيامته. عندما يرى الجنديّ الشهم سيّده مجروحاً في الحربّ يرتمي في المعركة بضراوة أكبر.

ارتفاع يسوع على الخشبة من أجلنا يجرح فينا كرامتنا، وجرحه يدمي حبّنا. فننقلب من أناس عاديّين إلى رسل الحبّ الإلهيّ فنشفى من سمّ الأنانيّة.

نداء يسوع إلينا لا يأتي كالفرض أو الواجب. بل يخرج إلينا من مثاله. إنّ ارتفاع يسوع يرفعنا: “عندما ارتفع سأرفع إليّ كثيرين”، هذه كانت نبوءته. لنسألْ كلّ مَنْ أحبَّ ومارس فضيلة، هل أملى ذلك عليه حبّ الدنيا أم حبّ المصلوب؟ لنسأل الرهبان والنسّاك والعائشين في العالم لماذا يلتزمون الصوم والصلاة والخدمة والبذل والتضحيات؟ كلّ ذلك حبّاً بمن؟ إنّه صليب المسيح الذي جرح حبّنا فرفعنا كما ارتفع هو عليه.

هذا هو خيارنا: الارتفاعُ الذاتيّ الحرّ، أن نكون كالمصلوب شهداءَ المحبّة، وشهداءَ كلّ ما هو سامٍ. إنّ وجود الشرّ في العالم، الألم والأمراض، والشرور الأخلاقيّة، كلّ ذلك يجعل الأرضيّات أرضاً لحيَّة تزحف على بطنها، ويجعل من خشبة الصليب موضعاً وسماءً لتلاميذ الحبّ الإلهيّ الذين يعرفون أن يبسطوا أيديهم عليه فيحتضنون كلّ صورةِ ألمٍ في الدنيا ولا يقبلون بمظاهر الشرّ. لا يمكن للمسيحيّ الحقّ أن يستريح وسيّده مجروح. واقع الحبّ المتواجد في قلب واقع الألم لا يرضى إلا بشهادة الصليب سياسةً. لذلك في الرسالة اليوم قال بولس: “حاشى لي أن أفتخر”، لا بمصلحة ولا بمجد ولا بمال ولا بأيّ شيء من الدنيا مما هو أسفل، و”إنّما بصليب ربّنا يسوع المسيح الذي به صلبتُ للعالم وبه العالم صلب لي”.

الصليب ليس موتاً، الصليب خيارٌ حرّ لحياةٍ جديدة. الموت هو أن نقبل واقع الشرّ.

رفعُ الحيّة هو رسمٌ لرفع المسيح. وصلبُ المسيح (رفعه) رَسْمٌ لرفعنا ولصلب كلّ من أحبه. حياتنا لا تأتي إلا من بسْطِ الأيدي شهادةً من أجل الحبّ الإلهيّ استشهاداً عن الألم البشريّ. لا يعرف الحبّ جموداً، الحبّ ديناميكيّة لا تقف. لا يقبل الحبّ اللامبالاة. يعانق الحبّ إذاً خشبة الصليب.

“لأنّه كما رُفع يسوع في الجلجلة خارج المدينة

هكذا ينبغي أن يُرفع كلّ ابن بشر لكي لا يهلك العالم

بل تكون له الحياة الأبدية”.

آميــن

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s