الابن الضـال

الابن الشاطر

لوقا 15، 11-32

أحد الابن الشاطر

من أكثر الأمثال التي أحببناها ونكررها بالتعليم الديني في الكنيسة ونقرؤها دائماً. هناك كلمات مفتاح إلى عيش وفهم هذا المثل الإلهي. المثل هو تعليم وليس حدثاً. يقول يسوع لنا مثلاً معين ليعبر عن واقع معين وليس عن حدث معين.

 أولى الكلمات الواضحة في هذا المثل أن هذا الابن قسم معيشته. فصل بينه وبين ذوويه. كان هو أحد الأعضاء في عائلة وصار يجد وكان وجوده يتحقق حين يصير وحيداً منعزلاً. الذي أراده الابن الضال في هذه المرحلة هو ما يريده كثيرون فنحن غالباً ما نريد أن نحقق ذواتنا حين ننعزل بذاتنا والمسيحية دين عكس هذه الحقيقة. المسيحية تعلم أن الحياة لا تتحقق بالابتعاد ولكن بالاتصال. نحن لا نحيا حين نكون لوحدنا نحن نحيا بقدر ما نكون مع بعضنا البعض. فالابن له حصة في البيت وهذه الحصة ليست القسم من المال حصة الابن هي البنوة وحين يبتعد الابن بحصته العالية يخسر حقيقته بالذات.

حقيقة البنوة فالمسيحي والإنسان عموماً لا يتحقق بمقدار ما ينفصل ولكن بمقدار ما يتصل. هناك أمور في الحياة وهناك الحياة، هناك المال وهو أمر في الحياة وهناك الحياة. المال أمر في الحياة ولكن الحياة لا تأتي من المال، الحياة تأتي من العلاقات الجيدة التي يمكن للمال أن يبنيها. فأولى في حياة الابن هي حقيقة الانزواء رغبة الانفصال، الابن حين يكبر يظن أن حياته تتحقق بقدر ما يبتعد عن ذويه عن أهله عن مدرسته عن مرشديه حتى عن المرجعيات الروحية ظاناً أنه لوحده يصير محققاً لذاته. وهذه هي حقيقة عكس الحياة بالذات لأن الحياة هي العلاقات المسيحية هي دين الشخصانية، حقيقة الحياة هي العلاقات وليس الماديات.

والوقفة الثانية عند الابن الضال هي كما يقول النص ابتعد عن بيت أبيه وهذه الخصوصية أن البيت هو بيته، بيت أبيه، هذا ما يتحقق حين يبتعد الإنسان عن كنيسته عن إيمانه، عن الحياة الإنسانية التي أوجده الله لها ومن أجلها. الناس اليوم يظنون أنهم يحققون الحياة بمقدار ما نحقق من المال، بمقدار ما نحقق من المجد، بمقدار ما نحقق من السلطان، وهذه كلها ليست ميزات الإنسان، إنها ميزات لا إنسانية وليست إنسانية.

حياتنا وحضارتنا مهددة، أن الإنسان يبني لذاته صورة لا إنسانية، وهناك في هذه الصورة لن يجد حياته في الواقع لأنه ابتعد عن صورة أبيه عن بيت أبيه، التطوبيات تقول لنا ما هي صورة البيت الأبوي طوبى للحزانى من أجل الرب، طوبى للفقراء بالروح، طوبى للودعاء، طوبى للمحسنين.

صورة التطوبيات في الإنجيل هو صورة نحن نريد أن نتجاهلها أو نبتعد عنها، ولكنها في النهاية الطريق إلى ملكوت الله، وبالنهاية هي صورة البيت الأبوي وكلما ابتعد الإنسان عن هذه الصور عن هذه الطرق للحياة كلما شعر أنه غائب عن حقيقته وعن ذاته وخصوصيته الإنسانية. وهذه الحالة هي حالة الحياة في أكذوبتها، الخطيئة هي أكذوبة، ما هي الخطيئة سوى خدعة أن الإنسان يمارس الخطأ ويظن أنه سيجد الحياة وإذا أعطاه الله أنه انتبه إلى واقعه يكتشف أنها كانت خدعة ولم تكن حياة، أنها كانت ألعوبة شيطانية ولم تكن نصيحة ملائكية.

هذا الواقع يخلق عند الإنسان أولاً، الخدعة تخلق عند الإنسان العودة للذات، الخدعة فترتها قصيرة مهما طالت لأن الإنسان يطلب ما هو حقيقي في الحياة. لطالما انخدع الناس بأمجاد ولطالما كان هناك بشر شعروا بأن المجد لوحده لا شيء وأنه مجرد خدعة في الحياة. أعطى ذاته لما هو غير ما يستحق في الحياة. الخدعة لا تعطي حياة، ولذلك الإنسان من الداخل يشعر أنه ليس على حقيقته ليس على ما يريده لذاته. الخدعة تخلق السؤال والصراع الداخلي بين الإنسان ونفسه وهذا ما جرى مع الابن الضال حينما ذهب إلى كورة بعيدة إلى طريقة حياة بعيدة عن طريقة حياة بيته الأبوي، ذهب إلى مسلكية غير مسلكية البيت الأبوي فالإنسان الذي يبتعد عن هذه المسلكية وهذه الحياة لابد أن يشعر بصراع داخلي لأنه ليس على ما يجب أن يكون هو. وعندما يعود الإنسان إلى صراعه الداخلي، إذا كان كهذا الابن الضال يعيش بعيداً عن دعوته وحقيقته الإنسانية لابد أن يخرج بقرار، الابن الضال خرج بقرار إيجابي لدينا عدة أمثلة في الإنجيل. خرج بعضهم بقرار سلبي لدينا أحد الفقراء الذين لما شعروا بفقرهم راح يحارب أخيه الإنسان راح يحاسب أخيه الفقير وتركه للجلد وتركه للحسبانات وتركه للاضطهاد لأنه لما شعر  بخزيه ارتد ذلك في نفسه من كبريائه ارتد على الآخرين.

 الإنسان عندما يشعر أنه ليس على صواب إذا كان متكبراً يرتد بطريقة سلبية ليغطي ضلاله بالذات ليبرر لذاته بطريقة خاطئة. أيضاً يصير الإنسان عدوانياً لا يحب  الآخرين، يحاسب على كل شيء وهو الذي يجب أن يُحاسب، نحن لا نلوم ذواتنا غالباً، نحن لا نريد أن نواجه بتواضع ذواتنا نحن دائماً نلوم الآخرين، لأننا عندما نكتشف خطأنا نريد أن نغطي على أخطائنا ولا نريد أن نواجه بعدنا عن حياة البيت الأبوي، الابن الضال لحسن الحظ كما يقول الإنجيل كان متواضعاً، عندما وجد أنه بعيد عما كان عليه أن يكون قال أخطأت. لم يقل أخطأ أبي ولا أخطأ الناس الذين لم يعطوني الأجرة ولا أخطأ الذين أطعموني الخرنوب. أنا أخطأت هذه هي الطريق الملكية الطريق العليا كما يقول الأدب النسكي في كنيستنا الشرقية.

 طريق الملكوت هي لوم الذات. أنا أخطأت وكيف قال هذا الابن الضال كلمة أخطأت قال أعود إلى بيت أبي عندما تذكر صورته الأولى عندما تذكر بيته الأبوي اكتشف أنه يعيش حياة فقر ونحن عندما نتذكر الإنجيل نتذكر القديسين لأننا لسنا فعلاً على ما يجب أن نكون عليه، ما يجب أن نكون عليه صورة مصغرة للمسيح، فإن نظرنا للمسيح ولقديسيه وفي الكنيسة وقرأنا الكلمة الإلهية والإنجيل فإن كلمة واحدة يجب أن تخرج من قلوبنا أخطأت فلأعد إلى أبي السماوي وأقول له اقبلني كأحد أجراءك وما رافق الابن الضال حين شعر بخطأه وأقّر به هو التواضع، الابن الضال بدأ من الكبرياء، قال أعطني حصتي أعطني الحق الذي لي والابن الضال انتهى قائلاً لست مستحقاً أن أدعى لك ابناً وهو ابن ، لست مستحقاً اقبلني كأحد أجرائك.

دلالة الحياة المسيحية الصالحة الحقيقية العميقة، دلالة أننا نفهم ما نقرأ في الإنجيل ليس أن نكرر ما قرأنا بالإنجيل. الإنجيل ، القديسون، الكنيسة هذه صور ووقائع وحقيقة ننظر إليها ونشعر بأمر واحد بالانكسار وعدم الاستحقاق، من يقول مستحق هو غير مستحق. من يقول أنا غير مستحق هو المقبول لأنه نظر ففهم قرأ فتاب وتخشع. الكنيسة مقياسها أمر واحد من يتخشع أمام الحضرة الإلهية، أمام الكلمة، أمام العظة، أمام المطالعة الروحية، أمام الكأس المقدسة، هو فعلاً من فهم دعوة هذه الكلمة الإلهية، آمين.

من كتاب سفر الكلمة – الجزء الأول

للمطران بولس يازجي

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s